السيد محمد الصدر
274
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين ( ع )
سلمة : واعجباه فأنى تذهب وأنت مقتول ؟ « 1 » . وكان ينبغي لها أن تقول : واعجباه كيف لا تذهب ؟ . فإن ذهابك حتمي فقال ( ع ) : ( يا أماه إن لم اذهب اليوم ذهبت غداً ، وإن لم أذهب في غد ذهبت بعد غد ، وما من الموت والله بد . وإني لأعرف اليوم الذي أقتل فيه ، والساعة التي أقتل فيها ، والحفرة التي أدفن فيها كما أعرفك ، وأنظر إليها كما أنظر إليك . وإن أحببتِ أُريكِ مضجعي ومكان أصحابي ) « 2 » . فطلبت ذلك ، فأراها تربة أصحابه ( المستقبلية ) . ثم أعطاها من تلك التربة وأمرها أن تحتفظ بها في قارورة ، فإذا رأتها تفور دماً تيقنت مقتله . وفي اليوم العاشر بعد الظهر نظرت إلى القارورتين فإذا هما يفوران دماً « 3 » . أقول : لعل البعض يفهم من ( أراها تربة أصحابه ) أنه أراها ارض كربلاء في ذلك الحين ، مع العلم أن المقصود من ذلك أنه أراها كربلاء بعد مقتلهم ، أي أراها قبورهم . وكذلك فإن الرواية تقول : ( تربة أصحابه ) وليس تربته لأنها لا تطيق ذلك . والظاهر أن القارورة الأولى دفعها رسول الله ( ص ) إليها وهي تربة الحسين ( ع ) ، والثانية دفعها الحسين ( ع ) وهي تربة أصحابه . وقد كان السيد أبو جعفر ( قدس سره ) ملتفتاً إلى أن الحسين ( ع ) أجاب كل واحد من ناصحيه بما يناسب حاله وقناعاته ، وهو أعلم بحال المخاطب له . فأم سلمة اعتذر إليها بوجود القضاء الحتمي ، ومحمد بن الحنفية اعتذر له بأنه رأى جده رسول الله ( ص ) في المنام فأمره بذلك ، وأجاب عبد الله بن عمر قائلًا : ( أما تعلم أن بني إسرائيل كانوا يقتلون ما بين طلوع الفجر إلى طلوع
--> ( 1 ) أنظر الهداية الكبرى للخصيبي ص 203 ، الثاقب في المناقب لابن حمزة الطوسي ص 331 . ( 2 ) البحار ج 44 ص 331 . ( 3 ) أنظر الهداية الكبرى ص 203 ، الثاقب في المناقب ص 332 . .